علي الهجويري
303
كشف المحجوب
لأنهم على العموم لديهم معرفة باللّه ، فإبليس في حال الطرد والرجم قال : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ « 1 » . وهذا يدل على معرفة . والعارف متى كان باقيا في معرفته فليس لديه خوف من القطيعة لأن القطيعة تحصل عن فقد المعرفة ، لكن المعرفة الضرورية لا يمكن أن يمكن أن تفقد أبدا وهذا المذهب شديد الخطر وبخاصة على العامة ، ولأجل أن تبتعد عن الخطأ ينبغي أن تأخذ منه بقدر ما ينجيك ، وأن تعرف أن علم الإنسان ومعرفته باللّه تتوقف كلية على سابق علمه وهدايته ، وقد يزداد يقين الإنسان في المعرفة وينقص لكن أصل المعرفة لا يزداد ولا ينقص ، فزيادتها نقصان ونقصها نقصان - ولا تدع التقليد الأعمى يدخل إلى معرفتك باللّه ويلزمك أن تعرف صفاته وكماله ، وهذا لا يمكن الوصول إليه إلا بسابق الفضل ، وعناية اللّه ، الذي له سلطان على كل القلوب ، فإذا أراد جعل أحد أفعاله دالا يدلنا عليه وإذا جعل هذا الفعل عقبة تمنعنا عن الوصول اليه ، لذلك فإن عيسى عليه السّلام كان هاديا لبعضهم ودلهم على المعرفة ، لكنه كان عقبة لآخرين ، وأوقفهم عنها فأهل المعرفة الأولى قالوا عنه : عبد اللّه وأهل المعرفة الأخرى قالوا : إنه ابن اللّه ، ومثل هؤلاء من عرفوا اللّه تعالى بالأوثان ، وبالشمس والقمر وغيرها فضلوا بها . ولو كان الدليل كله المعرفة للزم أن يكون كل مستدل عارفا ، وهذه مكابرة واضحة ، فاللّه تعالى يختار واحدا ، ويعطيه الطريق لكل الأشياء حتى يصل اليه بسببه ، فيعرفه وإذن فالدليل هو السبب لا العلة ، ولا يكون سبب أولى من سبب ، فاللّه هو المسبب للأسباب ، ولعمري أن إثبات العارفين للسبب في المعرفة زنار ، والالتفات إلى غير المعروف شرك مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ « 2 » وما دام شخص قد كتب شقيا في اللوح المحفوظ فأي دليل أو استدلال يهديه ؟ « من التفت إلى الأغيار فمعرفته زنار » وذلك الذي تلاشى واستغرق في قهر اللّه ، من يستطيع أن يأخذ
--> ( 1 ) سورة ص آية 82 . ( 2 ) سورة الأعراف : آية 186 .